مشاركات الطلبة والمدرسين
New Page 1

جودة الحياة: المفهوم والأبعاد

07/08/2010 12:49:00

        

جــامعة الإســـكندرية

كـلية التـربية بدمـنهور

 قسم علم النفس التربوي

 

 

 

 

جودة الحياة: المفهوم والأبعاد

 

 

 

 

ورقة عمل مقدمة من

د. محمد السعيد أبو حلاوة

مدرس الصحة النفسية

كلية التربية بدمنهور، جامعة الإسكندرية، ضمن إطار فعاليات المؤتـمر العلمي السنوي لكلية التربية، جامعة كفر الشيخ.

 

 

 

 

 

·         ملخص الورقة:

===========

تحاول الورقة الحالية تقديم تصور عام لجودة الحياة النفسية في إطار مصطلح أوسع وأكثر ثراءً هو مفهوم جودة الحياة Quality of Life بشكل عام، مع التركيز على توضيح أبعاد هذا المفهوم، والتأكيد على مضامينه النظرية والتطبيقية بالنسبة لرعاية وتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة على وجه التحديد، وتنتظم الورقة بناء على ذلك حول العناصر التالية:

-                   تعريف مفهوم جودة الحياة.

-                   علم النفس الإيجابي ومفهوم جودة الحياة.

-                   جودة الحياة ومفهوم التوازن.

-                   تطوير تصور متوازن لجودة الحياة  الشخصية.

-                   منغصات/معوقات في مقابل إمكانيات/قدرات.

-                   التعامل مع السلوكيات المزعجة المستهجنة.

-                   الاستقلالية والاعتماد على الذات في علاقته الاعتماد الوظيفي المتبادل مع الآخرين.

-                   أهمية العلاقات الإنسانية.

-                   الرعاية والتنشئة نشاط لخلق معني للحياة لدي أبنائنا/تلاميذنا.

-                   التحديات [المصاعب/المنغصات] وجودة الحياة.

·         الكلمات المفتاحية للورقة:

=====================

-       جودة الحياة، جودة الحياة النفسية، علم النفس الإيجابي، التوازن، بروفيل جودة الحياة.

=======================================================

·         مقدمة:

======

تعالج القضايا المرتبطة بالصحة النفسية في الوقت الراهن تحت مصطلح أعم وأوسع دلالة هو مصطلح جودة الحياة Quality of Life  ويرتبط مفهوم جودة الحياة في أدبيات المجال بمفهوم جودة الحياة النفسية Psychological Well-being، فقد أصبح أموضوع جودة الحياة أو جودة الصحة النفسية في السنوات الأخيرة بؤرة تركيز الكثير من البحوث والدراسات. وتكمن جودة الحياة داخل الخبرة الذاتية للشخص. ويشير دينير ودينير إلى أن جودة الحياة "ببساطة شديدة تقويم الشخص لرد فعله للحياة، سواء تجسد في الرضا عن الحياة(التقويمات المعرفية) أو الوجدان(رد الفعل الانفعالي المستمر) بظروف الحياة ولمدى توافر فرص إشباع وتحقيق الاحتياجات" (Diener&Diener,1995,PP.653-663).

 

أولاَ تعريف جودة الحياة :

===============

بسبب تعدد تعريفات مفهوم جودة الحياة وتنوع السياقات التي يستخدم فيها هذا المفهوم، يتعين على الباحثين التحديد الدقيق لطبيعته وخصائصه في ضوء هدف البحث الذي يقومون به.

وعادة ما يتم تعريف مفهوم جودة الحياة في ضوء بعدين أساسيين لكل منهما مؤشرات معينة: البعد الذاتي، والبعد الموضوعي. إلا أن غالبية الباحثين ركزوا على المؤشرات الخاصة بالبعد الموضوعي لجودة الحياة. ويتضمن البعد الموضوعي لجودة الحياة مجموعة من المؤشرات القابلة للملاحظة والقياس المباشر مثل: أوضاع العمل، مستوى الدخل، المكانة الاجتماعية الاقتصادية، وحجم المساندة المتاح من شبكة العلاقات الاجتماعية [1]. 

ومع ذلك، تظهر نتائج البحوث أن التركيز على المؤشرات الموضوعية لجودة الحياة لا يسهم إلا في جزء صغير من التباين في التقديرات الكلية لجودة الحياة [2].  كما يبدو أن الارتباطات بين المؤشرات الذاتية والمؤشرات الموضوعية لجودة الحياة كما تقاس: الرفاهية الشخصية العامة overall well-being، الرضا عن الحياة life satisfaction، والسعادة الشخصية personal happiness ضعيفة [3].

ويرى جليمان وإيستربورك وفراى (2004) أن تحليل نتائج الدراسات السابقة في مجال جودة الحياة يفضي إلى التأكيد على أن جودة الحياة بالمعنى الكلي أو العام تنظم وفقًا لميكانيزمات داخلية، وبالتالي يتعين على الباحثين التركيز على المكونات الذاتية لجودة الحياة بما تتضمنه من التقرير الذاتي عن: الاتجاه نحو الحياة بصفة عامة، تصورات وإدراكات الفرد لعالم الخبرة الذي يتفاعل فيه، ونوعية ومستوى طموحاته [4]. وسرعان ما انتشر هذا التوجه في مجال أدبيات الإرشاد والتأهيل النفسي. 

ويؤكد هذا المعني كل من تيلور وبوجدان Taylor & Bogdan (1996)، فريكي وآخرون Vreeke, etal.  (1997) إذ يقول تيلور وبوجدان أ ن " جودة الحياة موضوع للخبرة الذاتية Quality of life is a matter of subjective experience، إذ لا يكون لهذا المفهوم وجود أو معنى إلا من خلال إدراكات الفرد ومشاعره وتقييماته لخبراته الحياتية [5]"، بينما يشير فريكي (1997) إلى أن "وجود المعايير والقيم الخارجية لا يكون لها معنى إلا في سياق ما تمثله من أهمية وقيمة بالنسبة للفرد نفسه، بمعنى آخر أن المؤشرات الخارجية لجودة الحياة لا قيمة ولا أهمية لها في ذاتها، بل تكتسب أهميتها من خلال إدراك الفرد وتقييمه لها" [6].

وعلى الرغم من عدم الاتفاق على تعريف واحد لمفهوم جودة الحياة، إلا أنه عادة ما يشار في أدبيات المجال إلى تعريف منظمة الصحة العالمية (1995)  بوصفه أقرب التعريفات إلى توضيح المضامين العامة لهذا المفهوم، إذ ينظر فيه إلى جودة الحياة بوصفها " إدراك الفرد لوضعه في الحياة في سياق الثقافة وأنساق القيم التي يعيش فيها ومدى تطابق أو عدم تطابق ذلك مع: أهدافه، توقعاته، قيمه، واهتماماته المتعلقة بصحته البدنية، حالته النفسية، مستوى استقلاليته، علاقاته الاجتماعية، اعتقاداته الشخصية، وعلاقته بالبيئة بصفة عامة، وبالتالي فإن جودة الحياة بهذا المعنى تشير إلى تقييمات الفرد الذاتية لظروف حياته"  (WHOQOL Group, 1995). [7]

ويرتبط مفهوم جودة الحياة بالمعنى السابق بمفهوم جودة الحياة النفسية كما يتم تدارسه في أدبيات الصحة النفسية، فقد أصبح موضوع جودة الحياة أو جودة الصحة النفسية في السنوات الأخيرة بؤرة تركيز الكثير من البحوث والدراسات. وتكمن جودة الحياة داخل الخبرة الذاتية للشخص. ويشير دينير ودينير إلى أن جودة الحياة النفسية "ببساطة شديدة تقويم الشخص لرد فعله للحياة، سواء تجسد في الرضى عن الحياة(التقويمات المعرفية) أو الوجدان(رد الفعل الانفعالي المستمر)" (Diener&Diener,1995,PP.653-663).

ثم واصل دينير وآخرون (1999) دراساته في مجال جودة الحياة النفسية مؤكدًا على أن جودة الحياة النفسية ترتبط بمحاولة رصد " كيف يدرك أو يقدر الناس مختلف جوانب حياتهم النفسية؟ على سبيل المثال، إلى أي مدى يشعر الناس بقدرتهم على السيطرة على حياتهم الشخصية؟ إلى أي مدى يشعر الناس بأن لحياتهم الشخصية معنى وقيمة؟ إلى أي مدى يشعر الناس بامتلاكهم لعلاقات اجتماعية إيجابية متبادلة مع الآخرين (Diener et al.1999,PP. 276-302)، ومشيرًا إلى أن هذا المنظور يسمي منظور جودة الحياة النفسية ويؤسس على ما يعرف الصحة النفسية الإيجابية بدلاً من التركيز على الخلل أو المرض النفسي الأمر الذي يتسق مع توجهات علم النفس الإيجابي.

في حين يرى باحثون آخرون أن جودة الحياة النفسية أحد مكونات أو أبعاد ما يعرف بجودة الحياة بصفة عامة إذ يفيد لاوتون (1991) إلى أن مفهوم جودة الحياة مفهومًا متعدد الأبعاد يتضمن أربعة أبعاد هي: الكفاءة السلوكية، ضبط البيئة أو السيطرة عليها، جودة الحياة المدركة، وجودة الحياة النفسية (Lawton,1991,P.35). ويؤكد جونيكر وآخرون (2004)[8] أن بعد جودة الحياة النفسية المكون المحوري لجودة الحياة بصفة عامة، ويعرفان جودة الحياة النفسية على وجه التحديد بأنها بالإضافة إلى تحرر المرء أو خلوه من الأعراض الدالة على الاضطراب النفسي أنها  التقدير الإيجابي للذات، الاتزان الانفعالي، الإقبال على الحياة، وتقبل الآخرين (Jonker,etal.,2004,PP. 159-164). 

ولا يختلف هذا التعريف في مضمونه عن تعريف دينير (2009)  لجودة الحياة  ومفاده أن جودة الحياة " الإدراكات الحسية للفرد تجاه مكانته في الحياة من الناحية الثقافية، ومن منظومة القيم في المجتمع الذي يعيش فيه الفرد، وكذلك علاقته بأهدافه وتوقعاته وثوابته ومعتقداته، وتشمل أوجه الحالة النفسية ومستوى الاستقلال الشخصي".

وفي محاولة كارول رايف وآخرون (2006) الإجابة عن السؤال التالي: هل جودة الحياة النفسية مصطلح نقيض لمصطلح سوء التوافق النفسي، أو هل جودة الحياة النفسية والمرض النفسي يشكلان أبعادًا منفصلة للصحة النفسية أو للوظيفة النفسية؟ توصلت إلى الإقرار بوجود مدخلين متمايزين للإجابة عن هذا السؤال:

-  الأول يرى أنصاره أن جودة الحياة النفسية والمرض النفسي النهاتين الحديتين على متصل ثنائي القطب، وعليه يؤكد أنصار هذا المدخل على أهمية التعلم عن الضيق والتوتر والاضطراب النفسي أمرًا حتميًا لتفهم جودة الحياة النفسية، ومن هنا يمكن القول أن ذوي المستويات المرتفعة من الاضطرابات النفسية (مثل الاكتئاب)، يتوقع أن تكون مستويات جودة حياتهم النفسية متدنية أو منخفضة بصورة دالة كما تقاس مثلاً بمقاييس السعادة، والحياة الهادفة أو ذات القيمة والمعنى، والعكس صحيح.

- الثاني: في حين يؤكد أنصار المدخل الثاني على العكس من ذلك أن جودة الحياة النفسية والمرض النفسي مجالات منفصلة للوظيفة النفسية أو للصحة النفسية، وبالتالي، فإن المعلومات المتعلقة بأسباب، تداعيات، ومتعلقات كل منهما لا يمكن استنتاجها من الآخر.

ويمكن الجمع بين هذين المدخلين من خلال طرح فكرة ما يسمى بمتصل جودة الحياة والتي توضح بشكل عام في الشكل التالي:

شكل رقم (1) متصل جودة الحياة.

وبناء على ذلك ترى كاورل رايف وآخرون أن جودة الحياة النفسية تتمثل : " في الإحساس الإيجابي بحسن الحال كما يرصد بالمؤشرات السلوكية التي تدل على:  ارتفاع مستويات رضى المرء عن ذاته وعن حياته بشكل عام، سعيه المتواصل لتحقيق أهدافه شخصية مقدرة وذات قيمة ومعنى بالنسبة له، استقلاليته في تحديد وجهة ومسار حياته، وإقامته واستمراره في علاقات اجتماعية إيجابية متبادلة مع الآخرين، كما ترتبط جودة الحياة النفسية بكل من الإحساس العام بالسعادة والسكينة والطمأنينة النفسية". (Ryff,etal.,2006,PP. :85–95).  

ويشير علي مهدي كاظم  &  عبد الخالق نجم البهادلي (2005) على الرغم من ذلك التداخل بين مفهوم جودة الحياة والمفاهيم ذات الصلة، تزخر الأدبيات النفسية بعدد من التعريفات، منها أن جودة الحياة هي [9]:

1.        القدرة على تبني أسلوب حياة يشبع الرغبات والاحتياجات لدى الفرد.  

2.الشعور الشخصي بالكفاءة الذاتية وإجادة التعامل مع التحديات.  

3.السعادة والرضا عن الذات والحياة الجيدة.

4."رقي مستوى الخدمات المادية والاجتماعية التي تقدم لأفراد المجتمع، والنزوع نحو نمط الحياة التي تتميز بالترف، وهذا النمط من الحياة لا يستطيع تحقيقه سوى مجتمع الوفرة، ذلك المجتمع الذي استطاع أن يحل كافة المشكلات المعيشية لغالبية سكانه".

5."الاستمتاع بالظروف المادية في البيئة الخارجية والإحساس بحسن الحال، وإشباع الحاجات، والرضا عن الحياة، وإدراك الفرد لقوى ومضامين حياته وشعوره بمعنى الحياة إلى جانب الصحة الجسمية الايجابية وإحساسه بالسعادة وصولا إلى عيش حياة متناغمة متوافقة بين جوهر الإنسان والقيم السائدة في مجتمعه" .

6.   "درجة إحساس الفرد بالتحسن المستمر لجوانب شخصيته في النواحي النفسية، والمعرفية، والإبداعية، والثقافية، والرياضية، والشخصية، والجسمية، والتنسيق بينها، مع تهيئة المناخ المزاجي والانفعالي المناسبين للعمل والإنجاز، والتعلم المتصل للعادات والمهارات والاتجاهات، وكذلك تعلم حل المشكلات وأساليب التوافق والتكيف، وتبني منظور التحسن المستمر للأداء كأسلوب حياة، وتلبية الفرد لاحتياجاته ورغباته بالقدر المتوازن، واستمرارية في توليد الأفكار والاهتمام بالإبداع والابتكار والتعلم التعاوني بما ينمي مهاراته النفسية والاجتماعية.  

7.   "حالة شعورية تجعل الفرد يرى نفسه قادر على إشباع حاجاته المختلفة (الفطرية والمكتسبة) والاستمتاع بالظروف المحيطة به" (.

8.   "شعور الفرد بالرضا والسعادة والقدرة على إشباع حاجاته من خلال ثراء البيئة ورقي الخدمات التي تقدم له في المجالات الصحية والاجتماعية والتعليمية والنفسية مع حسن إدارته للوقت والاستفادة منه".

ويتضح من تحليل كافة التعريفات السابقة أن جودة الحياة لا تختلف عن وصف كارييج جاكسون Craig A. Jackson  (2010) والمصاغ تحت مسمى الثلاثة بي The 3 B’s وهي على النحو التالي [10]:

(أ‌)    الكينونة Being :

(ب‌)    الانتماء Belonging :

(ت‌)الصيرورة  Becoming :

ويوضح الجدول التالي تفاصيل المكونات الفرعية لهذه المجالات.

جدول رقم (1) مجالات وأبعاد جودة الحياة.

المجال

الأبعاد الفرعية

الأمثلة

الكينونة (الوجود) Being

 

الوجود البدني Physical Being

(أ) القدرة البدنية على التحرك وممارسة الأنشطة الحركية.

(ب) أساليب التغذية وأنواع المأكولات المتاحة.

الوجود النفسي Psychological Being

(أ) التحرر من القلق والضغوط.

(ب) الحالة المزاجية العامة للفرد (ارتياح /عدم ارتياح).

الوجود الروحي Spiritual Being

(أ) وجود أمل في المستقبل (الاستبشار).

(ب) أفكار الفرد الذاتية عن الصواب والخطأ.

الانتماء Belonging

 

الانتماء المكاني (البدني)  Physical Belonging

(أ) المنزل أو الشقة التي أعيش فيها.

(ب) نطاق الجيرة التي تحتوي الفرد.

الانتماء الاجتماعي Social Belonging.

(أ) القرب من أعضاء الأسرة التي أعيش معها.

(ب) وجود أشخاص مقربين أو أصدقاء (شبكة علاقات اجتماعية قوية).

الانتماء المجتمعي Community Belonging

(أ) توافر فرص الحصول على الخدمات المهنية المتخصصة (طبية، اجتماعية،...الخ).

(ب) الأمان المالي.

الصيرورة Becoming

 

 

الصيرورة العملية Practical Becoming

(أ) القيام بأشياء حول منزلي.

(ب) العمل في وظيفة أو الذهاب إلى المدرسة.

الصيرورة الترفيهية Leisure Becoming

(أ) الأنشطة الترفيهية الخارجية (التنزه، التريض).

(ب) الأنشطة الترفيهية داخل المنزل (وسائل الإعلام والترفيه).

الصيرورة التطورية (الارتقائية) Groth Becoming

(أ) تحسين الكفاءة البدنية والنفسية.

(ب) القدرة على التوافق مع تغيرات وتحديات الحياة.

ويمكن الانتهاء من العرض السابق إلى التأكيد على أن جودة الحياة في تحليلها النهائي "وعي الفرد بتحقق التوازن بين الجوانب الجسمية والنفسية والاجتماعية لتحقيق الرضا عن الحياة والاستمتاع بها والوجود الإيجابي. فجودة الحياة تعبر عن التوافق النفسي كما يعبر عنه بالسعادة والرضا عن الحياة كناتج لظروف المعيشة الحياتية للأفراد وعن الإدراك الذاتي للحياة، حيث ترتبط جودة الحياة بالإدراك الذاتي للحياة لكون هذا الإدراك يؤثر على تقييم الفرد للجوانب الموضوعية للحياة كالتعليم والعمل ومستوى المعيشة والعلاقات الاجتماعية  من ناحية، وأهمية هذه الموضوعات بالنسبة للفرد في وقت معين وظروف معينة من ناحية أخرى.

ثانيًا: أبعاد مفهوم جودة الحياة.

==================

يتكون مفهوم جودة الحياة، كما يستخدم في أدبيات المجال من ثلاث مكونات رئيسية تتمثل فيما يلي [11]:

*   الإحساس الداخلي بحسن الحال والرضا عن الحياة الفعلية التي يعيشها المرء (بينما يرتبط الإحساس بحسن الحال بالانفعالات، يرتبط الرضا بالقناعات الفكرية أو المعرفية الداعمة لهذا الإحساس؛ وكليهما مفاهيم نفسية ذاتية، أي ذات علاقة برؤية وإدراك وتقييم المرء).

*   القدرة على رعاية الذات والالتزام والوفاء بالأدوار الاجتماعية (تمثل الإعاقة المنظور المناقض لهذه القدرة، وترتبط بعجز المرء عن الالتزام أو الوفاء بالأدوار الاجتماعية).

*   القدرة على الاستفادة من المصادر البيئة المتاحة الاجتماعية منها (المساندة الاجتماعية)، والمادية (معيار الحياة) وتوظيفها بشكل إيجابي.

طرح فيلسي وبيري Felce & Perry (1995) نموذج ثلاثي العناصر لجودة الحياة يعكس التفاعل بين: ظروف الحياة، الرضا عن الحياة، والقيم الشخصية. وقدما تعريفات محددة لهذه العناصر على النحو التالي :

(أ‌)              ظروف الحياة : Life conditions

وتتضمن الوصف الموضوعي للأفراد وللظروف المعيشية لهم.

(ب‌)         الرضا الشخصي عن الحياة personal satisfaction

ويتضمن ما يعرف بالإحساس بحسن الحال والرضا عن ظروف الحياة أو أسلوب الحياة.

(ج) القيم الشخصية والطموح الشخصي Personal values and aspiration  : 

وتتضمن القيمة أو الأهمية النسبية التي يسقطها الفرد على مختلف ظروف الحياة الموضوعية أو جودة الحياة الذاتية subjective well-being [12].

ويمكن من خلال مراجعة التقارير العالمية التي تصدر عن المؤسسات والهيئات الدولية تحديد أبرز جوانب أو أبعاد جودة الحياة، ويظهر أمامنا على الأقل ثلاثة تقرير سنوية ذات طابع عالمي تستهدف   ترتيب دول العالم المختلفة وفقًا لمؤشرات ومعايير ومقاييس تقوم ببنائها الجهة التي تصدرها وعلى أساسها تجمع البيانات ذات الصلة وتصنفها، وتأتي أهمية هذه التقارير فضلا عن كونها تمثل اهتمامًا من قبل الباحثين ومراكز البحوث والدراسات، تسهم في تكوين الصورة الذهنية عن البلدان التي تشملها، وهذه التقارير هي:

(1)  تقرير التنمية البشرية الذي يصدر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي [13]:

فوفقًا لتقرير التنمية البشرية في عام 2009، الذي يقوم على 3 أعمدة رئيسية تتمثل في : الدخل، الصحة ،والتعليم .

ويغطي 182 دولة، جاءت النرويج في المرتبة الأولى، بينما لم تكن من العشر الأوَل في ترتيب "جودة الحياة"، واحتلت فرنسا التي جاءت في المرتبة الأولى في "جودة الحياة" المرتبة الثامنة في تقرير التنمية البشرية، أما البلدان العربية فقد جاءت الكويت في مقدمتها، إذ احتلت المرتبة 31 عالميا، ثم قطر في المرتبة 33 عالميا، ثم الإمارات .35 واعتبرت هذه البلدان من بلدان التنمية البشرية المرتفعة جدا، أما البحرين فقد احتلت في تصنيف التنمية البشرية المرتفعة المركز 39 عالميا، تلتها ليبيا في المرتبة 55، ثم عُمان 56، فالسعودية 59، ثم لبنان 83، وجاءت بعد ذلك الدول العربية في تصنيف التنمية البشرية المتوسطة، واحتل الأردن المرتبة 96 عالميا، أما تونس التي جاءت على رأس البلدان العربية في مقياس جودة الحياة، فقد جاءت في المرتبة 98 في مقياس التنمية البشرية، واحتلت الجزائر المرتبة 104، تلتها سوريا 107،ثم فلسطين 110،ثم مصر 123،والمغرب 130،وجزر القمر 139،واليمن 140، والسودان 150، وموريتانيا 154، وجيبوتي155.

(2)             تقرير التنافسية العالمي 2009 – 2010 :

يغطي 133 دولة ويقوم على مكونات المتطلبات الأساسية (مؤسسات وبنى تحتية واستقرار الاقتصاد الكلي والصحة والتعليم الأساسي) والكفاءة (التعليم العالي والتدريب وكفاءة أسواق السلع وكفاءة سوق العمل والسوق المالية والجاهزية التكنولوجية وحجم السوق وعوامل الابتكار - فقد احتلت فيه سويسرا رأس القائمة، بينما جاءت فرنسا في الترتيب 16، أما البلدان العربية فقد جاءت قطر على رأسها في المرتبة 22 عالميا، تلتها الإمارات في المرتبة 23، فالسعودية في المرتبة 28، ثم البحرين 38، فالكويت 39، ثم تونس في المرتبة 40، فعُمان 41، ثم الأردن 50، ومصر 70، والمغرب 73، والجزائر 83، وليبيا 88، وسوريا .94
(3) تقرير جودة الحياة:

يصدر في يناير كل عام عن مجلة "انترناشيونال ليفنج" الأمريكية ويرتب 194 بلدًا وفقًا لأفضلية العيش فيها، حيث لا يختلف عن الاتجاه العام للتقارير الأخرى من حيث حالة الرضا عن النتائج التي تم التوصل إليها، ففي تقرير هذا العام الذي صدر في يناير 2010 جاءت فرنسا في المرتبة الأولى للعام الخامس على التوالي تلتها استراليا والبلدان التي كونت قائمة العشر الأوَل وهي على الترتيب: سويسرا وألمانيا ونيوزيلندا ولوكسمبورج والولايات المتحدة وبلجيكا وكندا وإيطاليا، أما البلدان العربية فكان أفضلها تونس التي احتلت المرتبة 83 عالميا، ثم الأردن الذي جاء في المرتبة 104، ثم الكويت 106، ثم لبنان 113، والمغرب 116، والبحرين 119، ثم سوريا 124، وجزر القمر 126، وقطر 128، ومصر 135، والإمارات 141، والجزائر 146، وليبيا 157، وعمان 168، والسعودية 169، والعراق 170، وموريتانيا 173، وجيبوتي 188، والسودان 192، واليمن 193، والصومال .194ويقوم تقرير "جودة الحياة" على 9 معايير، هي: كلفة المعيشة، الثقافة والترفيه، الاقتصاد، البيئة، الحرية، الصحة، البنية الأساسية، الأمن والسلامة، المناخ [14].

ومفهوم جودة الحياة اسم جديد لفكرة قديمة، فهو المعني الذاتي أو الاسم الذاتي الذي يعبر به  الناس عن ما يعرف بحسن حال Well Being  أو الوجود الأفضل . وعادة ما يعبر عن مفهوم جودة الحياة بمجموعة من الاحتياجات التي إذا أشبعت سويًا تجعل الفرد سعيدًا أو راضيًا.

ومع ذلك من النادر أن تشبع الاحتياجات الإنسانية بصورة كلية وبالتالي يتعذر إن لم يكن يستحيل وصول الفرد إلى حالة الرضا التام، خاصة وأنه عندما يشبع الفرد حاجة إنسانية معينة سرعان ما تقفز حاجة أخرى باحثة عن الإشباع. ومن هنا ربما نستطيع القول أن مفهوم جودة الحياة لا يختلف فقط من شخص إلى آخر، بل يختلف كذلك من مكان إلى آخر ومن وقت إلى آخر.

وتعد تصورات فينتيجودت وآخرون (2003) من أهم التصورات التي طرحت لتحديد أبعاد جودة الحياة في إطار التوفيق بين البعد الذاتي والبعد الموضوعي، إذ صاغوا ما يعرف بمتصل جودة الحياة quality-of-life spectrum وطرحوا في ضوئه ما يعرف بالنظرية التكاملية لجودة الحياة the integrative quality-of-life (IQOL) theory والتي يوضح الشكل التالي أبعادها وطبيعة التفاعل بين هذه الأبعاد.

شكل رقم (2) مكونات النظرية التكاملية لجودة الحياة [15].

يتضح من الشكل السابق أن جودة الحياة أو ما يطلق عليه حسب مضامين الشكل "جودة الحياة الوجودية   Existential Quality of Lifeوفقًا لرؤية فينتيجودت وآخرون (2003) تتضمن بعدين:

(أ) البعد الذاتي Subjective Quality of Life  

ويتضمن أبعاد فرعية تتمثل في: الرفاهية الشخصية والإحساس بحسن الحال، الرضا عن الحياة، السعادة، الحياة ذات المعنى.

(ب) البعد الموضوعي  Objective Quality of Life:

ويتضمن أبعاد فرعية تتمثل في: عوامل موضوعية (مثل المعايير الثقافية، إشباع الاحتياجات، تحقيق الإمكانيات، السلامة البدنية.

وطرحت تصورات أخرى كثيرة تحاول أن تفصل الأبعاد الفرعية لكل من البعد الذاتي والبعد الموضوعي لجودة الحياة، ففيما يتعلق بالعبد الذاتي نجد أن ستلز و ونز Steel & Ones (2002) يقدم نموذجًا نظريًا يربط بين جودة الحياة من المنظور الذاتي وفكرة السعادة والرضا عن الحياة والوصل في نهاية الأمر إلى ما يعرف بالوجود الذاتي الأفضل، ويوضح الشكل التالي هذا النموذج [16]:

شكل رقم (3) عوامل جودة الحياة الذاتية (البعد الذاتي لجودة الحياة).

يوضح النموذج محددات جودة الحياة المرتكزة على التقييم الذاتي لهذه الجودة، ويلاحظ من الشكل السابق أن جودة الحياة من المنظور الذاتي (وليس الموضوعي أو الواقعي) دالة لتفاعل ثلاث محددات تأخذ ترتيبًا معينًا من حيث درجة التأثير وهي على النحو التالي [17]:

(1)  المحددات من الرتبة الأولى: (طبيعة الشخصية من حيث المكونات والخصائص). وتتضمن بعدين رئيسين هما:

(أ‌)     الانبساطية في مقابل الانطوائية.

(ب‌)العصابية في مقابل الاتزان الانفعالي.

(2)  المحددات من الرتبة الثانية: المرشحات الداخلية الخاصة بالفرد، وتتضمن مجموعة من الأبعاد الشخصية مثل:

(أ‌)     وجهة الضبط أو مركز التحكم.

(ب‌)تقدير الذات.

(ت‌)التفاؤل في مقابل التشاؤم.

المحددات من الرتبة الثالثة: المدخلات الخبرية (البيئية) وتتضمن كافة المكونات والأبعاد البيئية سواء المادية أو الاجتماعية وما تتضمنه من مصادر إشباع ومساندة.

وجودة الحياة في التحليل النهائي تصور أو صورة ذاتية للحياة الشخصية التي يود الفرد أن يعيشها، وبالتالي تختلف من فرد إلي آخر. وتتأسس رؤيتنا لمعني الجودة ـ يقصد هنا جودة الحياة الشخصية بالطبع ـ علي الطريقة التي نترجم بها عددًا من الأبعاد الأساسية إلي أهداف وتوقعات ملموسة أو عيانية ذات طابع مادي يمكن قياسه وملاحظته، وبالتالي السعي النشط إلي تحقيقها.

ويطرح روبرت كونازا وآخرون Costanza,etal. (2007) تصورًا نظريًا للتوفيق بين البعد الموضوعي والذاتي في وصف وتحديد المتغيرات المرتبطة بجودة الحياة، أسس على التأكيد على فكرة التكامل بين: الفرص والظروف المتاحة لإشباع احتياجات الإنسان، ثم وصف تفصيلي لهذه الاحتياجات، ومدى إحساس الفرد بالفرد عن مدى الإشباع. ويوضح الشكل التالي هذا النموذج [18].

شكل رقم (4) جودة الحياة كدالة للتفاعل بين الاحتياجات البشرية، والتقدير المدرك لمدى الإشباع، في ضوء الفرص المتاحة لتحقيق أو تلبية هذه الاحتياجات.

وجودة الحياة وفقًا لهذا التصور هي مقدار الفجوة المُدْرَكةُ بين توقعات الفرد المتعلقة بدرجة إشباع أو تحقيق احتياجاته  والإشباعات الفعلية التي يتحصل عليها الفرد، وهذا الأمر ذو طابع ذاتي في المقام الأول. ويجدر التنويه بناء على هذا التصور أن جودة الحياة ليست حالة قابلة للتحقق من تلقاء ذاتها، كما لا تتحقق هذه الحالة كذلك من مجرد توافر مصادر أو فرص إشباع الاحتياجات البشرية، بل هي دالة في المقام الأول بالإضافة إلى ما سبق لتوافر عاملين أساسيين هما:

(1)    القدرة/عدم على التوافق والمواجهة والتفاعل الإيجابي مع ظروف الحياة وأحداثها الإيجابية والسلبية.

وبناء على هذا العامل يرى بريان كيمب Bryan Kemp  (2010) أن جودة الحياة كدالة لقدرة المرء على التوافق مع أو مواجهة ما يعرف بضغوط الحياة والتصدي الإيجابي لها [19]، ويقدم الشكل التالي تصورًا لهذا الفهم.

شكل رقم (5) جودة الحياة كدالة للقدرة على مواجهة الضغوط النفسية .

(2)  القيام /عدم بأنشطة مُقدرة إيجابيًا تدفع/ تبعد الفرد عن اتجاه تحقيق /عدم تحقيق إشباع احتياجاته وتحقيق ذاته.

ويؤكد جوتاى وآخرون Gotay et al.,  (1992) على أهمية هذا العامل في تحقيق جودة الحياة، إذ يعرفون جودة الحياة في إطاره بأنها حالة من الوجود الأفضل أو التنعم والرفاهية well-bein تتضمن مكونين أساسيين:

(أ‌)  القدرة على أداء أنشطة الحياة اليومية التي تعكس جودة الوجود البدني والنفسي والاجتماعي.

(ب‌)رضا الفرد عن مستويات أدائه السلوكي المتعلق بدفعه باتجاه تحقيق حاجاته من خلال هذه الأنشطة [20].

 

شكل رقم (6) متصل جودة الحياة والعوامل ذات التأثير المباشر.

وتلعب دورة الحياة والخبرات المتباينة التي نتعرض لها في كل مرحلة من مراحل حياتنا دورًا شديد الأهمية في واقع الأمر في ثبات أو تغير رؤيتنا لجودة الحياة الشخصية. وعلي الرُغْمِ من أن لكل شخص توقعاته الكيفية الخاصة، يوجد نمط يمكن في ضوئه تحديد ثماني أبعاد عامة تؤدي إلي إمكانية تقييم جودة الحياة الشخصية لكل إنسان بغض النظر عن تصوراته ورؤاه الشخصية. وهذه الأبعاد هي:

(1)    السلامة البدنية والتكامل البدني العام.

(2)    الشعور بالسلامة والأمن.

(3)    الشعور بالقيمة والجدارة الشخصية.

(4)    الحياة المنظمة المقننة.

(5)    الإحساس بالانتماء إلي الآخرين.

(6)    المشاركة الاجتماعية.

(7)    أنشطة الحياة اليومية ذات المعني أو الهادفة.

(8)    الرضا والسعادة الداخلية.

ولا يوجد لهذه الأبعاد تنظيم هرمي محدد أو ثابت. بل ينظم كل فرد هذه الأبعاد في بناء هرمي خاص وفق أولوياته ورؤاه الذاتية لأهمية كل قيمة بالنسبة لجودة حياته الشخصية. ومع ذلك يمكن القول بأن ترتيب هذه الأبعاد حسب أولوياتها يعتمد علي الخبرات الذاتية بكل فرد وعلي الثقافة التي يعيش في إطارها. ومن هنا يمكن رؤية نوع من التشابه في الترتيب الهرمي لهذه الأبعاد لدي غالبية الأفراد الذين يعيشون في ثقافات أو جماعات اجتماعية واحدة إذ يتعرض مثل هؤلاء الأشخاص إلي ظروف حياة مشتركة وبالتالي خبرات حياتية متشابهة إلي حد بعيد.

ويمكن من خلال تتبع أو رصد مسار حياة شخصًا ما والنظر في البدائل أو الاختيارات التي يفضلها وفحص رؤاه أو تصوراته للحياة التي يود أن يعيشها ومدي رضاه عن حياته الشخصية رسم أهم ملامح بروفيل جودة حياته الشخصية. مما يفضي إلي احتمالات التوصل إلي الإطار المرجعي العام لهذه الشخص وبالتالي الاستبصار بنمط حياة الشخص وتحديد متطلبات تحسين نوعية أو جودة حياته إن كان يعاني من قصورٍ أو مشكلات نفسية أو سلوكية ذات علاقة مباشرة بهذا النمط.

ومن هنا تتضح أهمية فحص ودراسة مقدمو الرعاية لنمط حياة هذا الشخص أو ذاك تمهيدًا لتقديم الرعاية والمساندة المناسبة. استرشادًا بالأسئلة التالية:

·       كيف يمكن ترجمت الأبعاد الثمانية الأساسية إلي أهداف وتوقعات أكثر قابلية للتحقيق؟

·       كيف ترتبط هذه الأبعاد الثمانية مع بعضها (وترتيبها من حيث الأولوية)؟.

·   من الأشخاص الذين يمكنهم تقديم المساندة النفسية والاجتماعية؟ وما متطلبات تمكين الشخص من إدراك أو تحقيق احتياجاته؟

·       ما أنواع المساندة المطلوبة لمساعدة الشخص علي إنجاز أهدافه وطموحاته الشخصية؟

وقد لا يدرك الناس دائمًا الأهداف والتوقعات التي يريدون تحقيقها خاصة ذوو الاحتياجات الخاصة لكونهم غير قادرون علي إشباع احتياجاتهم المهمة بأنفسهم ولتركيزهم الشديد علي التخلص من معاناتهم الحياتية الشخصية الناتجة عن الإعاقة المصابون بها.

وفيما يتعلق بذوي الاحتياجات الخاصة ربما يكونون غير مدركون لأهدافهم وتوقعاتهم وطموحاتهم الشخصية في الحياة بسبب الحقيقة التي مفادها تركيز آبائهم ومقدمو الرعاية لهم نقاط الضعف وصور الخلل البدني والنفسي والسلوكي التي قد تكون لديهم ومحاولة العمل علي التخلص من هذه الصور.

ومع ذلك فإن حل المشكلات الظاهرة أو المرئية لهؤلاء الأشخاص لا يعني بالضرورة أن نوعية أو جودة حياتهم الشخصية أصبحت إيجابية إذ لا بد أن تقترن الجهود المشار إليها بتلمس الآباء ومقدمو الرعاية لجوانب القوة ونقاط التميز بل المواهب التي قد تكون موجودة لدي هؤلاء الأشخاص والسعي النشط الإيجابي لحثهم ومساندتهم في تحقيقها ومن هنا تتحسن بالفعل جودة حياتهم الشخصية.

ثالثًا: الاتجاهات النظرية المستخدمة في وصف وتفسير جودة الحياة:

========================================

يستخدم مفهوم جودة الحياة أحيانا للتعبير عن الرقى في مستوى الخدمات المادية الاجتماعية التي تقدم لأفراد المجتمع ، كما يستخدم أحيانا أخرى للتعبير عن إدراك الأفراد لقدرة هذه الخدمات على إشباع حاجاتهم المختلفة.

وثمة أربعة اتجاهات رئيسة في تعريف جودة الحياة وهى [21]:

(أ) الاتجاه الفلسفي. 
(ب) الاتجاه الاجتماعي. 
(جـ) الاتجاه الطبي.  
(د) الاتجاه النفسي.

إذ يؤكد في الاتجاه الفلسفي على أن جودة الحياة " حق متكافئ في الحياة والازدهار"، وهناك كثير من المواطن التي تتطلب الجودة حتى يحصل الإنسان على "جودة حياة". فمفهوم جودة الحياة حسب المنظور الفلسفي جاء من أجل  وضع مفاهيم السعادة ضمن الثلاثية البراجماتية المشهورة، والمتمثلة في أن الفكرة لا يمكن أن تتحول إلى اعتقاد إلا إذا أثبتت نجاحها على المستوى العملي أو القيمة الفورية وليست المرجأة Cash Value  (النفعية) والمستوى العملي أقرب إلى مفهوم السعادة والرفاهية الشخصية منه إلى أي مفهوم آخر. وينظر إلى جودة الحياة من منظور فلسفي آخر على أن هذه السعادة المأمولة لا يمكن للإنسان الحصول عليها إلا إذ حرر نفسه من أسر الواقع وحلق في فضاء مثالية تدفع بالإنسان إلى التسامي على ذلك الواقع الخانق وترك العنان للحظات من خيال إبداعي ثرٍ، وبالتالي فجودة الحياة من هذا المنظور "مفارقة للواقع تلمسًا لسعادة متخيلة حالمة يعيش فيها الإنسان حالة من التجاهل التام لآلام ومصاعب الحياة والذوبان في صفاء روحي مفارق لكل قيمة مادية".

وعلى الرغم من وجاهة مضامين الاتجاه الفلسفي في توصيفه لمفهوم جودة الحياة، إلا أن أي قراءة منصفة لواقع الإنسان في عالمنا المعاصر ينبئ بأن الاندفاع في مسار الحصول على السعادة وفقًا لهذا المنظور ببعديه المشار إليهما لم يستطع أن يحقق للإنسان سوى تباشير أمل واه في رحم اليوطوبيا الحالمة، وبالتالي ظل الإنسان ينشد السعادة لكنه في المقابل لم يحصل سوى على البؤس والتعاسة.

في حين يعرف أصحاب الاتجاه الاجتماعي “ جودة الحياة “ من منظور يركز على الأسرة والمجتمع ، وعلاقات الأفراد والمتطلبات الحضارية والسكان والدخل والعمل، وضغوط الوظيفة والمتغيرات الاجتماعية الأخرى. أما الاتجاه الطبي فقد اعتمد على تحديد مؤشرات جودة الحياة ولم يحدد تعريفا واضحا لهذا المفهوم، وقد زاد اهتمام الأطباء والمتخصصين في الشئون الاجتماعية والباحثين في العلوم الاجتماعية بتعزيز ورفع جودة الحياة لدى المرضى من خلال توفير الدعم النفسي والاجتماعي لهم.

بينما يركز الاتجاه النفسي على إدراك الفرد كمحدد أساسي للمفهوم وعلاقة المفهوم بالمفاهيم النفسية الأخرى، وأهمها القيم والحاجات النفسية وإشباعها، وتحقيق الذات ومستوى الطموح لدى الأفراد، وبالتالي فالعنصر الأساسي لجودة الحياة يتضح في العلاقة الانفعالية القوية بين الفرد وبيئته ، هذه العلاقة التي تتوسطها مشاعر وأحاسيس الفرد ومدركاته، فالإدراك ومعه بقية المؤشرات النفسية تمثل المخرجات التي تظهر من خلالها نوعية حياة الفرد .

 كما ينظر إلى مفهوم جودة الحياة وفقًا للمنظور النفسي على أنه " البناء الكلي الشامل الذي يتكون من المتغيرات المتنوعة التي تهدف إلى إشباع الحاجات الأساسية للأفراد الذين يعيشون في نطاق هذه الحياة ، بحيث يمكن قياس هذا الإشباع بمؤشرات موضوعية ومؤشرات ذاتية" .

وكلما انتقل الإنسان إلى مرحلة جديدة من النمو فرضت عليه متطلبات وحاجات جديدة لهذه المرحلة تلح على الإشباع، مما يجعل الفرد يشعر بضرورة مواجهة متطلبات الحياة في المرحلة الجديدة فيظهر الرضا “ في حالة الإشباع “ أو عدم الرضا “في حالة عدم الإشباع “ نتيجة لتوافر مستوى مناسب من جودة الحياة.

ومن هنا نستطيع أن نقول أن جودة الحياة تتضمن الاستمتاع بالظروف المادية في البيئة الخارجية والإحساس بحسن الحال ، وإشباع الحاجات ، والرضا عن الحياة ، وإدراك الفرد لقوى ومتضمنات حياته وشعوره بمعنى الحياة ، إلى جانب الصحة الجسمية الإيجابية ، وإحساسه بمعنى السعادة وصولا إلى العيش حياة متناغمة متوافقة مع جوهر الإنسان والقيم السائدة في المجتمع .

وفى جودة الحياة يتطلب الاستمتاع بالأشياء بشكل تراكمي أن يفهم الإنسان ذاته وقدراته، ويحقق اهتماماته وطموحاته في تفاعل وانهماك يمكنه من التغلب على مشكلات الحياة وتحديد معنى وهدف يسعى دوماً لبلوغه ولا يألو جهدًا في الاندفاع التام باتجاه والاستغراق التام في مضامينه التنفيذ، ويرجعنا هذا التصور إلى الربط بين مفهوم جودة الحياة بمفهوم سيكولوجي حديث نسبيًا ارتبط بحركة علم النفس الايجابي هو مفهوم " التدفق Flow" [22] . 

ويعد مفهوم التدفق من بين أهم المفاهيم المرتبطة بحركة علم النفس الإيجابي[23]، تلك الحركة التي أدخلت رسميًا في المسار الأكاديمي لعلم النفس سنة 1998 عندما ترأس مارتين سيلجمان الجمعية الأمريكية لعلم النفس، ومحاولاته الدءوبة هو ومجموعة أخرى من علماء النفس ممن كان لديهم تحفظات كثيرة على علم النفس بفروعه التقليدية الغارقة في التركيز على والتصوير الحصري إن جاز القول لكل جوانب القصور والضعف في الشخصية الإنسانية بتبني المنظور الباثولوجي لإدخال علم النفس الإيجابي ضمن فروع علم النفس المعتمدة بهذه الجمعية.

وإن كان من الممكن رصد إرهاصات مبكرة للتنويه على ضرورة التحليل الدقيق للجوانب الإيجابية من شخصية البشر من قبل المدرسة الإنسانية في علم النفس والتي تمثل ما يعرف بالموجه الثالثة، إلا أن التأصيل الفعلي لهذه الحركة يرتبط باسم مارتين سيلجمان بدءًا من دراساته المكثفة عن ظاهرة العجز المتعلم وانتقاله تدريجيًا إلى التركيز على دراسة وتحليل الظاهرة المناقضة لها وهى الكفاءة والتفاؤل المتعلم.

وقد أدى هذا التوجه إلى استقطاب اهتمام مجموعة من علماء النفس منهم دينيير إيد واهتمامه المكثف بما يعرف بجودة الحياة الانفعالية Emotional Well-being وميهالي كسكسينتميهالي وتركيزه في دراساته على مجالين أساسيين: حالة التدفق، والخبرة الإنسانية المثلى.

ومفهوم حالة التدفق من المفاهيم السيكولوجية ذات المضامين الإيجابية، التي ربما يفضي تقديمها وتحليلها وتبين أبعادها وطرق رصدها وقياسها في البيئة العربية إلى تنشيط الاهتمام البحثي بالقضايا ذات العلاقة بحركة علم النفس الإيجابي لتأسيس وإقرار ما يصح تسميته بالتمكين السلوكي للشخصية العربية بالتركيز على الجوانب الإيجابية الخاصة بخبرة حالة التدفق التي تقتضي كما سيأتي بيانه معانقة الحياة وتقبل مصاعبها واعتبارها تحديات جديرة بأن تستنهض همة المواجهة واغتنامها كفرص أصيلة للتعلم ولتجويد الأداء الإنساني ليرتقي في مسار: التميز، ثم الإتقان، ثم الإحسان.

لأن الأصل في خبرة حالة التدفق استغراق الإنسان بكامل منظومات شخصيته في مهمة تذوب فيها هذه الشخصية دون افتقاد للوجهة والمسار مع إسقاط للوقت أو للزمن من الحسابات، بمعنى أن تظل فعاليات من يتعايش مع خبرة حالة تدفق سارية وممتدة إلى أن يتم إنجاز المهمة مهما طالت المدة الزمنية، وهنا قد يعيش الإنسان حياته كلها في خبرة حالة تدفق واحدة يرى فيها ذاته ويحقق بها إمكانياته ويشرب منها من معين الاستمتاع ويعاين بها بهجة الحياة وهنا تتحقق المضامين التامة لجودة الحياة.

رابعًا: علم النفس الإيجابي ومفهوم جودة الحياة.

============================

يعد مصطلح جودة الحياة من المصطلحات الحديثة في مجال علم النفس، والذي يمثل بؤرة اهتمام ما يعرف بعلم النفس الإيجابي والذي لم يدخل المسار الأكاديمي لمجال علم النفس إلا في سنة 1998 عندما تناوله مارتين سيلجمان في خطابه للدورة الافتتاحية للجمعية الأمريكية لعلم النفس. وعلم النفس الإيجابي فرع من فروع علم النفس يؤكد على دراسة كل ما من شأنه أن يؤدي إلى تحسين الأداء النفسي الوظيفي للكائن البشري بما يتجاوز نطاق أو حدود الصحة النفسية العادية. وقد انشغلت البشرية منذ نشأت الحياة على سطح الأرض بالإجابة عن ومناقشة قضية أو مسألة سعادة الإنسان: تعريفها، صيغها، محدداتها، تأثيراتها على الأقل منذ الحضارة الإغريقية القديمة.

وبصورة عامة، يصف العاملون في مجال علم النفس الإيجابي هذا العلم بأنة " دراسة كافة مكامن القوة لدى البشر، دراسة كل ما من شأنه وقاية البشر من الوقوع في براثن الاضطرابات النفسية والسلوكية، إضافة إلى دراسة كل العوامل الفردية، الاجتماعية، والمجتمعية التي تجعل الحياة الإنسانية جديرة بأن تُعاش" (Crystal L. Park, 2003, P.3).

وتفيد كريستال بارك Crystal L. Park (2003) في إطار إجابتها عن السؤال الخاص بما هو علم النفس الإيجابي؟ أن التعريف الذي قدمه كل من مارتين سليجمان و شيكزينتميهالي (2000) لعلم النفس الإيجابي في مقال لهما نشر بمجلة الأخصائي النفسي الأمريكي من التعاريف الجيدة التي توفر أرضية نظرية مقنعة لمواصلة البحث في هذا المجال وينص هذا التعريف على أن " مجال علم النفس الإيجابي على المستوى الذاتي أو الشخصي هو علم يهتم بدراسة وتحليل الخبرات الشخصية الذاتية المقدرة أو ذات القيمة مثل: الرفاهية الشخصية أو جودة الوجود الذاتي الشخصي، القناعة، والرضا (في الماضي)؛ الأمل والتفاؤل (في المستقبل)؛ التدفق والسعادة (في الحاضر). وعلى المستوى الفردي، يتعلق علم النفس الإيجابي بدراسة وتحليل السمات الإيجابية للفرد: القدرة على الحب والعمل، البسالة والجرأة، مهارات العلاقات الاجتماعية المتبادلة مع الآخرين، الإحساس والتذوق الجمالي، المثابرة، التسامح، الأصالة، الانفتاح العقلي والتطلع للمستقبل، الشغف الروحي، الموهبة العالية، والحكمة. وعلى مستوى الجماعة، يدور علم النفس الإيجابي حول الفضائل والمؤسسات المدنية التي تحرك الأفراد تجاه المواطنة الصالحة، المسئولية، التواد مع الآخرين والاهتمام بهم، الإيثار، الأدب والأخلاق، الاعتدال، التحمل، وخلق العمل" (Seligman&Csikszentmihalyi,2000, p. 5).

ويمكن تفهم تأكيد أئمة علم النفس الإيجابي على أن بؤرة تركيز هذا العلم هو مفهوم جودة الحياة من خلال التوقف عن المجالات الأساسية لبحوثه والتي تتمثل فيما يلي:

*   بحوث في مجال طبيعة ومحددات: " الحياة المبهجة أو الممتعة أو السارة Pleasant Life ". وتتناول هذه البحوث فحص وتحليل كيف يصل البشر إلى الاستمتاع والمحافظة على والتعميم للمشاعر والانفعالات الإيجابية وتفعليها وتوظيفها في الحياة الانسانية اليومية(مثل، العلاقات، الهويات، الاهتمامات، صيغ الترفية أو الاستمتاع والترويح عن الذات).

*   دراسة الحياة الطيبة أو الحسنة أو الخيرة Good Life أو حياة الاندماج" ويناط بمثل هذه البحوث الاهتمام بدراسة التأثيرات المفيدة للانطباعات الإيجابية، للاستيعاب، والتدفق وكل ما يؤدي إلى إحساس الأفراد بالاندماج المثالي في أنشطة حياتهم اليومية العادية. والحالات المشار إليها كالاستغرق والتدفق والاندماج حالة إنسانية يخبرها الإنسانُ عندما يوجد نوعًا من التطابق أو الاتساق بين قدراته وإمكانياته والمهمة التي يؤديها. وبالتالي، عندما يشعر الإنسانُ بالثقة في قدرته على إنجاز أو تحقيق أو إنهاء المهام التي يواجهها بنجاح وفعالية وبمستوى راق من الاقتدار والتمكن.

*   دراسة كل ما يؤدي إلى "الحياة الهادفة ذات المعنى والقيمة Meaningful Life أو حياة الانتماء إلى life of affiliation" ويحاول هذا المسار البحثي الإجابة عن السؤال التالي: كيف يتوصل الأفراد إلى الإحساس الإيجابي بجودة الحياة، بالانتماء، بالمنعنة، وبالغرض من خلال الانضمام إلى والإسهام في نشاطات وخبرات أوسع وأسمى وأكثر دوامًا من الذات (مثل: الطبيعة، الجماعات الاجتماعية، المؤسسات، الحركات، التقاليد، ونظم الاعتقاد) (Gable&Haidt,2005,PP.103-110).  

ويلتقط Mihaly Csikszentmihalyi وهو من أئمة تيار علم النفس الإيجابي المعنى الدقيق لعلم النفس الإيجابي ويحدد مساره وأهدافه عند تأصيله لخبرة التدفق بوصفها تجسيد لما يسميه الخبرة الإنسانية المثلى.

وصيغ مصطلح التدفق للمرة الأولى على يد ميهالي تشكزنتميهالي (1975) باعتباره " : إحساس [إحساسات] كلية يشعر بها الناس عندما يتصرفون باندماج تام مع العمل أو المهمة التي يقومون بها". ثم أعاد تشكزنتميهالي (1990) وصف حالة التدفق بأنها : " حالة يجد فيها المرء نفسه مندمجًا بصورة تامة في النشاط أو العمل الذي يقوم به مع تجاهل تام لأي أنشطة أو مهام أخرى؛ مع تحقق حالة من الاستمتاع الشخصي يخبره المرء لمجرد القيام بالفعل أو العمل أو أداء المهمة لذاتها والاستعداد للتضحية وبذل كل المجهود وتكريس كل الوقت لإنجاز هذه المهمة".

وللتدفق كحالة نفسية تسعة أبعاد تتمثل في:

-       التوازن بين التحدي والمهارة.

-       اندماج بين الفعل والوعي (الحالة النفسية).

-       أهداف مدركة واضحة.

-       تغذية راجعة غير غامضة.

-       تركيز تام في المهمة أو العمل.

-       إحساس بالضبط أو السيطرة.

-       غياب الوعي أو الشعور بالذات.

-       الإحساس إما بسرعة مرور الزمن أو بطء مروره.

-    الاستمتاع الذاتي Autotelic experiences  والذي يشير إلى خبرات الإثابة الداخلية (القيام بالعمل أو أداء النشاط وإنجاز المهمة هو الهدف في حد ذاته دون انتظار لإثابة من الخارج) [24]. 

خامسًا  التوازن:

=========  

يمكن النظر إلي كل بعد من الأبعاد الثمانية الأساسية التي أشير إليها باستخدام مصطلحات سياسة الجودة كنوع من العلاقة أو التوازن بين الجودة والواقع. بمعني إذا فاق أو تجاوز الواقع التوقعات سيخبر الفرد الجودة المرتبطة بهذه القيمة أو تلك بصورة شديدة الإيجابية. وإذا كان هناك نوعًا من التوازن بين الواقع والتوقعات يخبر الشخص جودة حياته الشخصية بصورة محايدة. وتقل جودة الحياة الشخصية إلي أدني مستوياتها إذا فاقت أو تجاوزت الأهداف والتوقعات الشخصية الواقع بكثير.

   ويجب أن يناضل الناس بكل ما أوتوا من قدرات وإمكانيات للتوصل علي الأقل إلي نقطة التوازن بين أهدافهم وتوقعاتهم والواقع الذي يعيشون فيه. ولسوء الحظ لا يصل بعض الناس إلي نقطة التوازن هذه وتظل الفجوة بين طموحاتهم، أهدافهم، وتوقعاتهم ؛ والواقع كبيرة بل قد تزداد اتساعًا مما يضر بطبيعة الحال بنوعية وجودة الحياة الشخصية لمثل هؤلاء الناس.

وتوجد في الحقيقة الكثير من العقبات أو عوامل الخطورة التي قد تحول دون تحقيق أهدافنا وتوقعاتنا وطموحاتنا المتعلقة ببعد أو أكثر من أبعاد القيم الثماني الأساسية المشار إليها. مما يدعو إلي التفكير في الحقيقة التي مفادها أن نوعية وجودة الحياة الشخصية للإنسان علي تتوقف فقط علي بعد أو آخر من أبعاد هذه القيم بل هي في واقع الأمر محصلة أو ناتج التفاعل بين الإنجازات والعثرات المتعلقة بها جميعًا.

     وإذا نجحنا في استخدام بعض من القيم الأساسية الأخرى للشخص ربما نعظم من إنجازات القيم الأساسية وبالتالي تحسين جودة ونوعية حياتنا الشخصية والوصول بها إلي الصيغة المثالية. وفي هذا الحالة علينا أن نفتش داخل أبنائنا/تلاميذنا عن الإمكانيات الذاتية المتميزة وأن ننظم مسارات تفاعلاتنا اليومية معهم بما يمكن أن يفضي إلي توظيفها بصورة إيجابية وإخراجها من حيز الوجود بالقوة إلي فضاء الوجود بالفعل.

سادسًا:  تطوير تصور متوازن لجودة الحياة  الشخصية.

================================

لدى معظم البشر الذين يعيشون حياة إنسانية عادية صورة شخصية لجودة الحياة تتكامل فيها في واقع الأمر دلالات الأبعاد الإنسانية الثمانية الخاصة بجودة الحياة كما سبق الإشارة. فهم ينطلقون في بناء رؤيتهم الشخصية لجودة حياتهم التي يريدون أن يعيشوها من دراسة وفحص الواقع وبالتالي تحديد أهدافهم وتوقعاتهم في إطاره أو سياقه مع الاجتهاد قدر الإمكان لتحسينه وإثراء عطاءاته من خلال أفعال أو تصرفات واقعية ملموسة وعليه هم يقبلون الواقع ولا يعطون ظهورهم له ولا يستسلمون له ويعيشون في أسره في نفس الوقت بل يتعايشون معه بصورة إيجابية.

هذه هي الصورة الطبيعية ولسوء الحظ ليست هي القاعدة علي طول الخط، فهناك أشخاص ربما يعانون من المرض، ربما تشهد حياتهم الصحية تباينات متتابعة سريعة الإيقاع بين الصحة والمرض، ربما يحدث تغير مفاجئ في الظروف المعيشية، ربما علي المستوي الشخصي تتغير وجهات النظر والأفكار، وربما الكثير.........0 وبالتالي قد تتشوه أو تختل في بعض الأحيان رؤيتهم أو صورة جودة الحياة الشخصية عندما يعجزون عن العيش وفق أسلوب الحياة الذي كانوا يعيشونه لسنوات طوال.

ويمكن رصد بعض ملامح التغير في التصور أو الرؤية الذاتية لجودة الحياة الشخصية لمثل هؤلاء الأشخاص منها أن المشكلات التي قد ترتبط بالتغير ربما تتضمن دلالات أو معاني جديدة لوجودهم الشخصي. وقد تبقي طموحاتهم المتعلقة بجودة الحياة الشخصية التي سبق أن رسموها لأنفسهم حاضرة في تكوينهم النفسي لكن قد يعجزون عن تحويل هذه الطموحات إلي واقع.

ومن هنا قد يصبح الوجود [25]الإنساني لمثل هؤلاء الأشخاص فارغًا موحشًا لا قيمة له لفقدهم السيطرة علي مسارات حياتهم الشخصية. وهنا تلزم الحاجة إلي وجود الآخر ليملأ هذا الفراغ، ليؤنس هذه الوحشة، ليعيد لهم الأمل في إمكانية ممارسة نوعًا من الضبط لحياتهم. خاصة للناس الذين تتناقص قدراتهم وإمكانياتهم الذاتية مع مرور الوقت كما في حالات ذوي المرض المزمن، كبار السن، وذوي الإعاقات المختلفة.

ومما ينعش الأمل في نفوسنا أنه عند دراسة وفحص السلوكيات التي يصدرها مثل هؤلاء الأشخاص وإلي أي مدي ترتبط هذه السلوكيات بالقيم الأساسية المشار إليها نكتشف افتقاد هؤلاء الأشخاص للقليل فقط من هذه القيم. وفيما يخص هؤلاء الأشخاص بالتحديد نجد أن الإحساس بالأمن والسلامة والحاجة إلي حياة إنسانية منظمة مقننة علي درجة كبيرة من الأهمية بالنسبة لجودة حياتهم الشخصية. وتفيد دراسة الكثير من حالات هؤلاء الأشخاص أن زيادة اعتمادهم علي الآخرين في مهارات الحياة اليومية ربما يفضي إلي زيادة اعتمادهم الانفعالي أيضًا علي مقدمي الرعاية لهم. وعندما يحدث هذا الأمر (الاعتماد علي الآخر بدنيًا وانفعاليًا) يتم تقدير هؤلاء الأشخاص من قبل الآخرين بأنهم:

(1) سلبيون. (2) خاملون وينقصهم عنصر المبادرة الشخصية. (3) مُرهقون بسبب تزايد مطالبهم واحتياجاتهم الشخصية. (4) ساعون إلي جذب الانتباه بصور شاذة مزعجة.

وتحدث هذه الظاهرة (ظاهرة الاعتماد المبالغ فيه علي الآخر) للكثير ممن يعاق نموهم النفسي لسبب أو لآخر منذ الولادة مثل الأطفال المعوقين خاصة ذوي الإعاقة العقلية، الإعاقات النمائية، والإعاقات الحسية كالمعوقون سمعيًا أو بصريًا. فغالبًا ما نري لدي مثل هؤلاء الأشخاص أنه لا يتم استغلال إلا عددًا قليلاً جدًا من القيم ومع ذلك يمكن أن تلعب هذه القيم دورًا بالغ الأهمية في حياتهم الشخصية. ولسوء الحظ يتعرض مثل هؤلاء الأشخاص إلي تأثيرات سلبية لكثير من عوامل الخطورة التي تهدد جودة حياتهم الشخصية نتيجة أن رصيد البدائل السلوكية لديهم قليل جدًا ولا يمكنهم في واقع الأمر من تعويض جوانب النقص أو القصور التي لديهم.

ومن المهم جدًا لمساعدة هؤلاء الأشخاص على الحياة بصورة متزنة أو متوازنة أن نحاول حثهم علي صياغة أحلام ورغبات مرتبطة بكل القيم الثماني السابقة. أما فيما يتعلق بالناس الذين كانوا يعيشون حياة طبيعية ثم تعرضوا لمنغصات الحياة مثل مرضى الزهايمر[26] علي سبيل المثال يمكن دراسة وفحص مسار حياتهم وتبين خبراتهم الحياتية الإيجابية التي مروا بها واعتبارها ركائز أو محددات التخفيف من الكدر الانفعالي المصاحب لهذه الحالات. بنما فيما يخص ذوي الإعاقات المختلفة خاصة الإعاقات التي سبق الإشارة إليها (الإعاقة العقلية، الإعاقات الارتقائية، الإعاقات الحسية) يمكن أن نبدأ بأي خبرات نعتقد أنها ستساعدهم في تحقيق طموحاتهم وأحلامهم.

سابعًا منغصات/معوقات؛ إمكانيات/قدرات:  

يتضمن البناء النفسي لكل منا مكامن قوة وبواطن ضعف هذا أمرُ مسلمُ به. فإذا نظرنا إلي بواطن الضعف أو القصور من جهة السياق الاجتماعي الثقافي العام الذي يعيش فيه الإنسان من جهة أخرى لأمكن تحديد مجموعة من الظروف التي قد تحول دون تحقيق الإنسان لأحلامه وطموحاته بل أيضًا قد تسبب كفًا أو كمونًا لمكامن القوة التي لديه في نفس الوقت. وتجدر الإشارة إلي أن غالبية مواقف الرعاية والتعليم تركز بصورة مبالغ فيها في الحقيقة علي حل مشكلة أو مشكلات الشخص هذا أمرُ محمودُ وإيجابي نعم لكن إذا أردنا أن نحسن جودة الحياة الشخصية للإنسان علينا أن لا نركز فقط علي المشكلات (بواطن الضعف) بل يتعين التركيز كذلك علي كل أبعاد الحياة واستخدام وتوظيف مكامن القوة وكافة الإمكانيات المتاحة لتحسن نوعية أو جودة الحياة الشخصية له.

    ويجب عند وصف مكامن القوة وبواطن الضعف  انطلاقاً من دلالة عنوان هذه الفقرة  (منغصات/معوقات؛ إمكانيات/قدرات) أن نميز بين الظروف الداخلية والظروف الخارجية. ويقصد بالظروف الداخلية الخصائص البدنية والنفسية والاجتماعية للفرد، أما الظروف الخارجية فيقصد بها تلك العوامل المرتبطة بتأثيرات الآخرين أو البيئة التي يعيش فيها ذلك الشخص. ويوضح الجدول رقم (1) بعض الأمثلة.

جدول رقم (1) منغصات/معوقات؛ إمكانيات/قدرات تحقيق جودة الحياة.

 

المنغصات/المعوقات

الإمكانيات/القدرات

الظروف الداخلية

-                                 المرض.

-                                 الإعاقات.

-                                 الخبرات الحياتية السلبية.

                                المهارات.

                                الخبرات الحياتية الإيجابية.

             الحالة المزاجية الذهنية الإيجابية وروح الدعابة والمرح.

الظروف الخارجية

-              نقص المساندة الاجتماعية والانفعالية.

-              ظروف الحياة أو المعيشة السيئة.

-                                 توافر مختلف مصادر المساندة الاجتماعية والانفعالية وتعدد المانحين لها.

-                                 توافر نماذج رعاية جيدة أو طيبة.

ويتعين علي مقدمي الرعاية إذن أن يجتهدون في التخلص من المنغصات/المعوقات ، واستخدام أو تفعيل الإمكانيات القدرات. إضافة إلي ضرورة تجنب التركيز علي المنغصات/المعوقات التي يتعذر التخلص منها. لأننا بتركيزنا علي المعوقات/المنغصات نثبتها في البناء النفسي للفرد ونجعلها تلون كل تفاصيل حياته. الأفضل من ذلك أن نحث أبنائنا/تلاميذنا علي نظم الأحلام، تحديد الطموحات ذات العلاقة المباشرة بالقيم الأساسية المميزة لجودة الحياة. فإذا فعلنا ذلك لتمكننا من إضعاف تأثير المعوقات/المنغصات أو علي الأقل تحييد تأثيراتها.

سابعًا : التعامل مع السلوكيات المزعجة المستهجنة.  

==============================

يصدر عن بعض الأشخاص (أطفال وكبار) سلوكيات مزعجة مستهجنة تثير الضيق والضجر وقد يجد كثيرُ من مقدمي الرعاية أو من المتعاملين معهم صعوبات بالغة في تحديد الطريقة المناسبة لمساعدة هؤلاء الأشخاص في التخلص من هذه السلوكيات. وبالنسبة لنا نحن المعلمون غالبًا ما يتم تأهيلنا للنظر في مثل هذه السلوكيات وتحديد الاستراتيجيات التي تمكننا من تخليص المتعلمين منها. لكننا في الكثير من الأحيان ما نتصرف في إطار أسلوب رد الفعل دون أن نسأل أنفسنا في واقع الأمر عن كيف تتسق أو تتطابق هذه السلوكيات مع تصور أو رؤية المتعلم لجودة حياته الشخصية.

    والسلوك المزعج المستهجن شأنه شأن أي سلوك طريقة الشخص لبناء أو تأسيس جودة حياته الشخصية وتحقيق شعاراته الذاتية. فلنكن رحماء به وبأنفسنا في نفس الوقت ولنتوجه إلي تعليمه أن هذه السلوكيات ليست الطريقة الوحيدة لإنجاز أو إثبات وتحقيق جودة حياته الشخصية هناك دائمًا بدائل أكثر إيجابية وهنا تأصيل لفكرة أو استراتيجية ـ في واقع الأمر ـ ما يعرف في فنيات القياس النفسي المعاصرة بأسلوب التحليل الوظيفي للسلوك [27] وعلينا أن نقتنع قبل كل ذلك باحتياجنا جميعًا إلي إنجاز جودة حياة شخصية إيجابية.

    علي سبيل المثال قد يسعى شخصُ ما إلي المزيد من الانتباه من قبل مقدمي الرعاية له؛ كما قد تبدو رغبته في أن ينتبه إليه الآخرون لا نهاية لها مما يثير ضجر وشكوى الآخرون منه. والقاعدة السلوكية المتعبة غالبًا للتجاوب مع مثل هذه السلوكيات تتمثل في التجاهل والانتباه إلي الشخص فقط عندما يصدر منه سلوكًا سويًا إيجابيًا مقبولاً (كأن يجلس الطفل هادئًا، أو يؤدي مهام ما). وقد يسعى كثيرُ من الأطفال إلي جذب الانتباه تحت إلحاح حاجتهم إلي الإحساس بالأمن والسلامة الشخصية تأصيلاً لمقولة " إذا جذبت انتباه الآخرين إلي، فأنا إذن محل رقابتهم وبالتالي لن يحدث سوءً لي " وقد يصدر عن الأطفال سلوك جذب الانتباه تحت إلحاح الحاجة إلي الإحساس بقيمة أو أهمية الذات تأصيلاً لفكرة " أريد أن أُرىٌ من قبل الآخرين لكي أكون حاضرًا علي الدوام في تفكيرهم ". إلا أن التجاهل في كلا الحالتين المشار إليهما نحن نفعل عكس ما يسعى إليه من يرتكب سلوكيات جذب الانتباه ونزيد مشكلته خطورة في واقع الأمر ففي الحالة الأول (سعي الطفل إلي جذب الانتباه طلبًا للأمن والسلامة) فإن تجاهلنا لسلوكياته يجعله يشعر بمزيد من الخوف والتهديد في حين يؤدي تجاهل الشخص في الحالة الثانية (حالة جذب الانتباه للإحساس بالقيمة والجدارة الشخصية) إلي إحساسه بالنقص والتفاهة والدونية. ولكي تتضح خطورة التجاهل في كلتا الحالتين علينا أن نفكر فقط فيما قد يترتب عليه من تأثيرات نفسية وسلوكية علي من يتعرض له. (في الحالة الأولي : الإحساس بالخوف والتهديد، وفي الحالة الثانية الإحساس بالنقص والقصور والدونية).

       إذن الخطوة الأولي لتحسين جودة الحياة الشخصية لأبنائنا/تلاميذنا أن نعطيهم باعتدال وتعقل ما يبدو أنهم في حاجة إليه في اللحظة الراهنة. وعلي ألا يعني ذلك بأي حال من الأحوال تقبل سلوكيات جذب الانتباه المستهجنة أو الشاذة. إذ علينا أن نجتهد في محاولة حث الابن/التلميذ علي التوقف الإرادي عن مثل هذه السلوكيات من خلال إقناعه أولاً أنها لا تؤدي بذاتها إلي تلبية احتياجاته ثم تعليمه ثانية طرق وأساليب سلوكية أخرى يمكن بموجبها تلبية حاجته إلي الأمن والسلامة الشخصية وحاجته إلي التقدير والاحترام والإحساس بالقيمة والجدارة الشخصية في نفس الوقت.  وعلينا كذلك أن نبحث أو نفتش في واقع الأمر عن إمكانياتهم (الداخلية والخارجية) التي يمكن من خلال تفعيلها والاستفادة منها تنمية إحساسهم بالأمن والسلامة الشخصية وبالقيمة والجدارة والأهلية. وهنا تبني لاستراتيجية عدم الهجوم علي السلوك المستهجن من الأمام ولكننا نواجهه من خلال تحسين نوعية وجودة الحياة النفسية الشخصية لمن يصدر عنه هذا السلوك المستهجن.  

ثامنًا: الاستقلالية والاعتماد على الذات في علاقته الاعتماد الوظيفي المتبادل مع الآخرين.

==================================================

يبدو أن تشجيع الأطفال علي الاستقلالية والاعتماد علي الذات هدفًا أصيلاً تسعي إليه كافة الممارسات التعليمية. ولا مانع علي الإطلاق من في واقع الأمر من التسليم بصحته والاجتهاد في تحقيقه علي أن يتم في إطار تنمية ثقافة الاعتماد الوظيفي المتبادل بين البشر وفي إطار ما يصح تسميته بفكرة احتياجك إلي الآخر واحتياج الآخر إليك. ومع ذلك هناك مفهومان يوجد بينهما تداخل يمكن في ضوءه فك إشكالية العلاقة بين تنمية الاستقلالية والاعتماد علي الذات والاعتماد علي الآخرين أو الاعتماد الوظيفي المتبادل بين البشر وهما مفهوم مساندة أو دعم الذات، ومفهوم الاستقلال عن الآخرين. ويمكن توضيح أبعاد هذه العلاقة في النقاط التالية:-

(1)             مفهوم مساندة أو دعم الذات مفهوم وظيفي يركز علي ما يمكن أن يؤديه المرء دون مساعدة الآخرين.

(2)     أما مفهوم الاستقلال فهو مفهوم علاقي يشير إلي السياق الذي لا يعتمد فيه المرء علي الآخرين فيما يؤديه أو يفعله من أعمال أو مهام.

(3)     ويوجد مفهوم آخر هو الذاتية Autonomy فأكثر اتساعًا من المفهومين السابقين ويستوعبهما في واقع الأمر وهو مشتقة من كلمة إغريقية قديمة هي Autonomia  وهي مفهوم قانوني يعني (حرية المرء في اتباع رؤاه وقوانينه الخاصة أو الذاتية) وتترجم إلي الفردية وتعني حرية المرء في تنظيم حياته طبقًا لتصوراته وقوانينه الشخصية الذاتية.

وعلي الرُغْمِ من اتجاه دلالة هذه المفاهيم إلي تعزيز الفردية التامة وهو أمرُ واقعيًا متعذر فاحتياجك إلي الآخر قدرُ لا مفر منه إلا بالموت وحتى بعد الموت تظل حاجتك ماسة إلي الآخر تأمل معي حيث سيد خلق صلوات ربي وتسليماته عليه (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث علم ينتفع به، أو صدقه جارية، أو ولد صالح يدعو له) صدقت سيدي يا رسول الله. ومع ذلك يجب أن نتوقف علي الدلالات الإيجابية للنقاط الثلاث التي أشرنا إليها بالنسبة لعملية تربية ورعاية أطفالنا/تلاميذنا ومن أهم هذه الدلالات:

·       حتمية تقدير واحترام اختياراتهم وتفضيلاتهم بغض النظر عن اتفاقها مع رؤانا وتصوراتنا أم لا طالما هي في إطار المقبول والمقدر اجتماعيًا ودينيًا.

·       استحالة تجاهل أحلام، آمال، وطموحات أبنائنا/تلاميذنا. فإن كانت هذه الآمال والطموحات قاصرة أو شاذة أو غير متجهة إلي المستقبل بسبب التأثيرات السلبية لتعرض البعض منهم للإعاقة أو لأي ظروف سلبية أخري علينا دائمًا نحن الآباء/المعلمين أن نأخذ بيدهم لتجاوز محنهم وأن نكون مصدر مساندة اجتماعية وانفعالية تعيد إليهم بهجة الحياة . وفي الواقع لا يراد منا أكثر من ذلك فقط نعيد إليهم بهجة الحياة ثم نتركهم يتعايشون معها بقدراتهم وإمكانياتهم وطموحاتهم وآمالهم الشخصية ولنعلم أن النتيجة إيجابية جدًا في نهاية المطاف بشرط الصبر والمتابعة والإشراف الودي.وهذا ما ينقلنا إلي النقطة التالية.

تاسعًا: أهمية العلاقات الإنسانية.

=====================

لاشك أن رعاية وتنشئة أبنائنا/تلاميذنا نشاط إنساني راقٍ وممتع وعلينا أن ندرك بيقين جوانبه أو أبعاده الانفعالية.  ويجب أن تدرك أهمية العلاقات الاجتماعية الإيجابية المتبادلة بين القائمين علي أمور رعاية وتربية أو تنشئة الأطفال والشخص الذي يحتاج إلي هذه الرعاية والتنشئة. ولنعلم أننا عندما نهدف من رعايتنا وتنشئتنا لأبنائنا/تلاميذ تنمية استقلاليتهم عن الآخرين نتجاهل حاجة إنسانية أساسية لا تكتمل هوية الإنسان إلا بها وهي الحاجة إلي الارتباط بالآخر، الحاجة إلي الأنس بالآخر، الحاجة إلي التواد مع الآخر والاقتراب منه والإقبال عليه فمن خلال مثل هذه العلاقات فقط نعم فقط يمكن أن يكون الإنسان إنسانًا فعليًا أو حقيقيًاً تذكر معي فقط حديث المصطفي صلي الله عليه وسلم(لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف). فلو أخذنا حالة الطفل حديث الولادة بل وخلال مرحلة طفولته بالكامل نجده في احتياج دائم إلي مساندة والديه له علي طول الخط وبدونها أو بمساندة منقوصة تتشكل أرضية اكتساب كافة أشكال الخلل النفسي والسلوكي ولا يمكن أن ينتظم أو يستقيم مسار النمو النفسي للأطفال. وفي المراحل التالية لمرحلة الطفولة يحتاج أبنائنا/تلاميذنا إلي الآخرين أقرانهم، أصدقائهم، ثم زوجاتهم وأبنائهم فيما بعد إذن رحلة حياة الإنسان هي رحلة الألفة بالآخرين والأنس به كما سبق القول.  ومن هنا تأتي وجاهة طرح مفهوم الاعتماد الوظيفي المتبادل كفكرة ليست بديلة للاستقلالية والاعتماد التام علي الذات بل لتهذيبها ووضعها في سياقها الطبيعي. ومع ذلك يبدو أننا في رعايتنا وتنشئتنا لأبنائنا/تلاميذنا نذهب في مسار تعزيز الفردية والاستقلالية لأننا نتجاهل في واقع الأمر الأبعاد أو الجوانب الانفعالية للحياة الإنسانية ونركز فقط علي المهارات والوظائف. صحيح قد يصح تدريب أبناءنا/تلاميذنا علي الاعتماد علي الذات في أنشطة الحياة اليومية ولكن لا يعني هذا بالتبعية أو بالضرورة أن يعيش الإنسان في حدود ذاته مستقلاً عن الآخرين في مشاعره وانفعالاته وبعيدًا عن مشاعر وانفعالات الآخرين. ومن محددات جودة الحياة النفسية في واقع الأمر الارتباط بالآخرين وإقامة والاستمرار في العلاقات الإيجابية المتبادلة معهم وإن كان هذا الأمر ضروريًا بالنسبة لأبنائنا/تلاميذنا العاديين  فهو حتمية وجود بالنسبة لأبنائنا/تلاميذنا ذوي الاحتياجات الخاصة. إذ هم في أمس الحاجة في واقع الأمر إلي الإحساس بتقبل الآخرين لهم بإقبالهم عليهم بتوادهم معهم بخوفهم عليهم. ويؤكد ذلك ـ فلنجرب ـ الإجابات المحتمل أن نحصل عليها من ذوي الاحتياجات الخاصة إذا سألناهم فقط: ماذا تريدون من الآخرين؟ ستجدهم يقولون نريد منكم معشر من تسمون أنفسكم ظلمًا عاديين الحب، التقبل، الثقة، الاعتقاد في جدارتنا واستحقاقنا للحياة الحرة الكريمة، الإيمان بقدراتنا وإمكانياتنا علي الإنجاز والتفوق ربما أكثر منكم فإن كان غير ذلك فلا نريد منكم إلا أن تتركونا في حالنا ونحن قادرون نعم قادرون علي نحت حياتنا الخاصة ولكن اعلموا أن نوعية وجودة حياتنا ستكون أفضل بالتأكيد بوجودكم معنا بتعايشكم الإيجابي مع خبراتنا الشخصية واعلموا علي الرُغْمِ مما سمعتموه منا في العبارة السابقة لا حياة لنا بالفعل بدونكم فنحن في الواقع أهل الابتلاء ورضينا بقضاء الله وقدره فكونوا عونًا لنا لتفعيل إيماننا هذا ولا تعوقونا أنتم عن تحقيق مصائرنا وتحسين جودة حياتنا النفسية.

عاشرًا: الرعاية والتنشئة نشاط لخلق معني للحياة لدي أبنائنا/تلاميذنا.

========================================

من الواضح أن تعزيز وتحسين جودة الحياة النفسية لأبنائنا/تلاميذنا يتوقف علي مدى احترامنا لفردية وخصوصية كل منهم والتعامل مع كل منهم بوصفهم أفرادًا لكل أسلوب حياته وأحلامه الشخصية الذاتية. ومن المهم أن ندرك أيضًا أن رعاية وتنشئة أبناءنا/تلاميذنا نشاط إنساني هدفه الأصيل في واقع الأمر  لخلق المعني إنه نشاط يمكنهم من وضع معني لحياتهم الشخصية. فمساعدتنا نحن الآباء/المعلمين لأبنائنا/تلاميذنا علي إنجاز أو تحقيق طموحاتهم وآمالهم الشخصية ربما أكثر أهمية من تعليمهم أو إكسابهم مهارات العمل التقليدية. وإلي وقت قريب حتى في حالة النظر إلي الابن/التلميذ موضع الرعاية والتربية كان الآباء/المعلمون هم الأشخاص الوحيدون الذين يقررون ما الذي يجب فعله ومتي سيتم فعله. إذ يقوم الأب/المعلم بملاحظة الابن/التلميذ، تشخيصه ، ووصف مشاكله ووضع خطة العلاج غالبًا بدون إشراكه في هذه العملية وتعرف هذه الطريقة في الرعاية والتنشئة بالطريقة المتمركزة حول المشكلة. وقد تغيرت هذه الاستراتيجية في الوقت الحاضر ليتم التركيز علي طريقة الرعاية والتنشئة المتمركزة حول الحاجة. حيث تحدد أنماط الرعاية والمساندة المطلوبة لرعاية وتنشئة الابن/التلميذ في ضوء قياس وتقييم احتياجاته ثم يسأل الابن/التلميذ عن نوع الرعاية أو المساندة التي يحتاجها. وقد يستطيع الابن/التلميذ التعبير صراحة عن احتياجاته وقد يعبر عنها بصورة ضمنية تتطلب منا نحن الآباء/المعلمون حساسية وتجاوب انفعالي مرهف معهم. وبعد تحديد الاحتياجات يضع الآباء/المعلمون خطط العمل لتحقيقها أو تلبيتها وإشباعها. وقد نسير في طريق رعاية وتنشئة أبنائنا/تلاميذنا خطوات أبعد من مجرد تعيين احتياجاتهم وذلك من خلال تبين أو استكشاف دلالة أو معني هذه الاحتياجات بالنسبة لهم وهنا ننتقل بعمق إلي الكشف عن القيم الأساسية المتضمنة في بروفيل قيم الحياة التي يؤمنون بها. وهنا نجيب علي الأسئلة غير المطروحة علنًا باكتشاف القيم التي تعكسها الاحتياجات التي يعبر عنها أبنائنا/تلاميذنا.  ويجسد الشكل الهرمي التالي هذه الطرق المختلفة والمراحل التي يمكن من خلالها التوصل إلي الطريقة الأخيرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

-

شكل رقم (7) مستويات التفاعل بين الآباء والأطفال.

بالنظر إلي الشكل رقم (7) يلاحظ تضمنه ثلاثة مستويات يجسد كل مستوي طريقة من طرق التفاعل بين الآباء/المعلمين، والأبناء/التلاميذ. فعلي يسار الهرم من أسفل نجد الابن/التلميذ المحتاج إلي الرعاية والتنشئة والمساندة، وعلي يمين الهرم من أسفل نجد الآباء/المعلمين الموكل إليهم رعاية وتنشئة ومساندة هذه الابن/التلميذ. وبناء علي مستوي أو طريقة الرعاية والتنشئة تأتي طريقة التفاعل والمساندة وهذه الطرق من أعلي إلي أسفل هي:

(1)التركيز علي المشكلة (تشخيص المشكلة ووضع خطة العمل علي علاجها دون مشاركة صاحب المشكلة.

(2)التركيز علي الاحتياجات (تحديد الحاجات بالطرق المختلفة المشار إليها ثم العمل عل تلبيتها أو إشباعها).

(3)التركيز علي الإنجاز وتحسين جودة الحياة النفسية (تحديد الآمال الطموحات والحاجات والقيم الشخصية الكامنة ورائها ودلالاتها ومعناها بالنسبة للابن/التلميذ ومساندته لتحقيقها أو إنجازها).

إحدى عشر: التحدي.

=============

هل تحسين جودة الحياة النفسية والاجتماعية لأبنائنا/تلاميذنا هو هدفنا نحن الآباء/المعلمون من رعايتهم وتنشئتهم؟ بالتأكيد نعم. فإنها جودة الحياة بالفعل الهدف الأسمى لنا جميعًا. فليس المهم مهاراتنا في الرعاية والتنشئة، ولا مهارتنا في ملاحظة المشكلات، وليس أيضًا أحكامنا التقييمة الأهم من كل ذلك بالتأكيد طموحات آمال ورؤى أبنائنا/تلاميذنا. فإنجازاتهم هي مقياس جودة رعايتنا وتنشئتنا لهم. ولكي تكون هذه الإنجازات إيجابية علينا أن نقف بجوارهم ولا ننجز هذه الأعمال نيابة عنهم وأن نتعايش بعمق مع إدراكاتهم ورؤاهم الذاتية لمعني الحياة. وبمشاركتنا إياهم علي هذا النحو نكتشف سويًا بالتأكيد مسار نموهم وإلي أيد مدى يمكن أن يصل هذا المسار وما الاتجاه الذي سيتخذه في المستقبل. وربما يكون نموذج جودة الحياة الذي طرح في هذه الورقة مفيدًا في تحقيق هذه الغاية السامية.

* المصادر التي اعتمد عليها في إعداد الورقة:

===============================

·         المصادر العربية:

===========

- أحمد عكاشة (2007). جودة الحياة والنسيج الاجتماعي. ورقة مقدمة ضمن فعاليات المؤتمر السنوي الخامس للمركز المصري للعلوم الطبية بالاشتراك مع، جامعة الأزهر وعنوانه : "نحو أعصاب سليمة". المنعقد في الفترة من 3 إلى 4 مايو 2007.  متاح على الموقع الإلكتروني التالي: http://arrietty.maktoobblog.com/?post=309353 آخر زيارة للموقع في تمام الساعة السادسة يوم السبت 18/8/2007.

·         المصادر الأجنبية:

=============

-          Diener,E., & Diener, M. (1995). Cross cultural correlates of life satisfaction and self esteem. Journal of Personality and Social Psychology. 68,653-663.

-          Diener E, Suh EM, Lucas RE, Smith HL: Subjective well-being: Three decades of progress. Psychological Bulletin 1999, 125(2):276-302

-          Ryff,C,etal,(2006). Psychological Well-Being and Ill-Being: Do They Have Distinct or Mirrored Biological Correlates?. Psychotherapy Psychosomatics;75:85–95.

-          Martin E. P. Seligman, Tracy A. Steen& Christopher Peterson (2005). Positive Psychology Progress: Empirical Validation of Interventions. Positive Psychology.

-          Sastre, M. T. M. (1999).  Lay conceptions of well-being and rules used in well-being judgments among young, middle-aged, and elderly adults.  Social Indicators Research, 47, 203-231.

-          Rafanelli, C., Park, S. K., Ruini, C., Ottolini, F., Cazzaro, M., and Fava, G. A. (2000).  Rating well-being and distress.  Stress Medicine, 16, 55-61.

-          Crystal L. Park (2003). The Psychology of Religion and Positive Psychology. PSYCHOLOGY OF RELIGION. NEWSLETTER, VOLUME 2 8 , N O . 4, PP. 1-20. AMERICAN PSYCHOLOGICAL ASSOCIATION DIVISION 36.

-          Seligman, M. E. P., & Csikszentmihalyi, M. (2000). Positive psychology: An introduction. American Psychologist, 55, 5–14.

-          Gable, S.L., & Haidt, J. (2005). What (and Why) Is Positive Psychology? Review of General Psychology, Vol. 9, No. 2, 103–110.

-          Evans, D.R., Burns, J.E., Robinson, W.E. & Garrett, O.J. (1985). The Quality of Life Questionnaire: A multidimensional measure. American Journal of Community Psychology, 13, 305-322.

==================================================================

 



[1]  Bishop, M., & Feist-Price, S. (2001). Quality of life in rehabilitation counseling: Making the philosophical practical. Rehabilitation Education, 15 (3), 201-212.

[2]  Diener, E., Suh, E.M., Lucas, R.E., & Smith, H.L. (1999). Subjective well-being: Three decades of progress. Psychological Bulletin, 125, 276-302.

[3] -  Michalos, A.C. (1991). Global report on student well-being: Volume L Life satisfaction and happiness. New York: Springer-Verlag.

- Myers, D.G., & Diener, E. (1995). Who is happy? Psychological Science, 6, 10-19.

[4]  - Gilman, R., Easterbrooks, S., & Frey, M. (2004). A preliminary study of multidimensional life satisfaction among deaf/hard of hearing youth across environmental settings. Social Indicators' Research, 66, 143-166.

[5] Taylor, S.J. & Bogdan R. 1996. Quality of life and the individual’s perspective. In Quality of Life: Conceptualisation and measurement. Ed. R. Schalock. American Association on Mental Retardation. Washington D.C.

[6] Vreeke, G.J., Janssen, S., Resnick, S., & Stolk J. 1997. The quality of life of people with mental retardation: in search of an adequate approach. International Journal of rehabilitation Research. 20 pp280-301.

[7]  WHOQOL Group (1995). The World Health Organisation Quality of Life Assessment.  

[8] Jonker,C. , Gerritsen.D.L, Bosboom P.R.&, J.T. Van der Steen J.T. (2004). A Model for Quality of Life Measures in Patients with Dementia: Lawton's Next Step. Dementia and Geriatric Cognitive Disorders;18:159-164.

 

[9] علي مهدي كاظم  &  عبد الخالق نجم البهادلي (2005) جــودة الحياة لدى طلبة الجـامعة العُمانيين والليبيين "دراسة ثقافية مقارنة"، مجلـة الأكاديمية العـربية المفتـوحـة، الدنمارك، ص ص: 67- 87. متاح على شبكة المعلومات العالمية، الرابط الإلكتروني التالي: http://www.ao-academy.org/docs/third_issue_1.doc

 

[10]  Craig A. Jackson (2010). Work-RelatedQuality of Life, Health Research Consultation Center, Oxford University Press.

 

 

 

[11]  Katschnig H. (1997). How Useful is the Concept of Quality of Life in Psychiatry? In Quality of Life in Mental Disorders (Eds H. Katschnig, H. Freeman, N. Sartorius), PP. 3-16. Wilev, Chichester.

[12] للمزيد راجع:

-    Felce D & Perry J. 1995 Quality of life: its definition and measurement. Research in Developmental Disabilities. 16.

-    Felce, D. & Perry, J. (1997) Defining and applying the concept of quality of life. Journal of Intellectual Disability Research, 41, 51-74. Journal of Advanced Nursing. Vol. 33(2) Jan. 2001 pp225-233.

-    Felce, D. & Perry, J. 1997 Quality of  life: the scope of the term and its breadth of measurement. In Quality of life for people with disabilities. Models, research and practice. Ed. Roy I Brown. Stanley Thornes.

[13] نقلاً عن:

-     قراءة في تقرير "جودة الحياة" لعام 2010 مجلة أخبار الخليج، العدد 11694 - الثلاثاء 30 مارس 2010 إضغط هنا لعرض العدد الأخير، متاح على شبكة المعلومات العالمية، الرباط الإلكتروني التالي

http://www.aaknews.com/ShowArticle.aspx?X=7A5470547554715476547C6475547E647764282A217WIDE71727170717C7171717878287A5470547554715476547C6475547E647764

- منصف المرزوقي (2005).الشعوب العربية على سلم الشقاء لسنة 2005، متاح على شبكة المعلومات العالمية، الرابط الإلكتروني التالي: http://moncefmarzouki.com/IMG/doc/arab_quality_life_index.doc

 

[14] نقلاً عن:

-     قراءة في تقرير "جودة الحياة" لعام 2010 مجلة أخبار الخليج، العدد 11694 - الثلاثاء 30 مارس 2010 إضغط هنا لعرض العدد الأخير، متاح على شبكة المعلومات العالمية، الرباط الإلكتروني التالي

http://www.aaknews.com/ShowArticle.aspx?X=7A5470547554715476547C6475547E647764282A217WIDE71727170717C7171717878287A5470547554715476547C6475547E647764

[15] للمزيد راجع:

-   Ventegodt, S., Anderson, N.J. & Merrick, J. (2003). Quality of life philosophy I. Quality of life, happiness, and meaning in life. The Scientific World JOURNAL (3), 1164-1175.

- Ventegodt S, Merrick J, Andersen NJ. (2003). Quality of life theory I. The IQOL theory: an integrative theory of the global quality of life concept, Scientific World Journal. , 13;3:1030-1040.

[16]  Steel, P. and Ones, D.S.: 2002, ‘Personality and happiness: a national-level analysis.’, Journal of Personality and Social Psychology 83, pp 767-781

 

[17]  Cummins RA.(2000). Personal income and subjective well-being: A review. J Happiness Studies,1:133–158.

 

[18]  Costanza, R., et al., (2007). Quality of life: An approach integrating  pportunities, human needs, and subjective well-being, E C O L O G I C A L E C O N O M I C S, ( 6 1),PP. 2 6 7 – 2 7 6.

 

[19]  Kemp, P (2010). Quality Of Life Issues While Aging With A Disability, Rehabilitation Research and Training Center on Aging with a Disability, University of California at Irvine Press.

[20] نقلاً عن:

 - Busschbach, J.P (2010). Quality of life Assessment, Department of Medical Psychology and Psychotherapy, Oxford University Press.

 

 

[21] للمزيد راجع:

-         سليمان رجب سيد أحمد(2009).جودة حياة ذوى صعوبات التعلم وجودة حياة أسرهم، http://www.alami.ae/125.html

-         عبد القادر بوعرفة (2010). جودة الحياة  بين الفلسفة والتكنولوجيا، متاح على شبكة المعلومات العالمية، الرابط الإلكتروني التالي: http://bouarfah.jeeran.com/archive/2009/9/941729.html آخر زيارة للموقع في 12/1/2010.

 

[22] تمثل حالة التدفق بالمعنى الذي توصف به في أدبيات علم النفس الإيجابي الخبرة الإنسانية المثلي  Optimal Human Experience المجسدة لأعلى تجليات الصحة النفسية الإيجابية وجودة الحياة بصفة عامة؛ لكونها حالة تعني فناء الفرد في المهام والأعمال التي يقوم بها فناءًا تامًا ينسى به ذاته والوسط والزمن والآخر كل الآخر كأني به في حالة من غياب للوعي بكل شيء آخر عدا هذه المهام أو الأعمال على أن يكون كل ذلك مقترنًا بحالة من النشوة والابتهاج والصفاء الذهني الدافع له باتجاه المدوامة والمثابرة ليصل في نهاية الأمر إلى إبداع إنساني من نوع فريد تكون فيه المعاناة مرحبًا بها دون انتظار لأي تعزيز من أي نوع، إذ هنا تكون هذه الحالة مطلوبة لذاتها ويكمن فيها وفيما تتضمنه من معاناة سر الرفاهية والسعادة الشخصية والإحساس العام بجودة الحياة، لكونها تضفي المعنى والقيمة على هذه الحياة.

[23] آثر الباحث استخدام وصف حركة علم النفس الإيجابي بدلاً من عبارة علم النفس الإيجابي هكذا على إطلاقها وذلك لقناعته الشخصية بعد مراجعة أدبيات هذا المجال من أن هذا المسار العلمي لم تتبلور ملامحه العامة بعد بشكل يسمح بمقارنته هكذا ببقية فروع علم النفس المستقرة في المجال كعلم النفس الاجتماعي، المعرفي، الإكلينيكي، وغيرها. إضافة إلى أن رواد هذا المجال لم يدعوا هكذا بالمطلق بأن مجال اهتمامهم هذا يمثل فرعًا مستقلاً قائمًا بذاته ضمن فروع علم النفس الأخرى، وكل ما يدعون إليه إعادة ترسيم توجه أو منظور مغاير للتعامل مع السلوك البشري بالتركيز على مكامن القوة والجوانب الإيجابية بدلاً من الاستغراق في تبني المنظور المرضي أو الباثولوجي في التعامل معه.

[24] للمزيد عن هذه الحالة يمكن الرجوع إلى:

-  Csíkszentmihályi, Mihály (1975). Beyond Boredom and Anxiety. San Francisco, CA: Jossey-Bass.

- Csíkszentmihályi, Mihály (1990). Flow: The Psychology of Optimal Experience'. New York: Harper and Row.  

- Csikszentmihalyi, M. (1996). Creativity: Flow and the psychology of discovery and

invention. New York: HarperCollins.

[25]  تثير هذه الكلمة (الوجود Existence) إشكالية العلاقة بين قضية الماهية والوجود كما طرحت في فكر الفلسفة الوجودية خاصة لدي جان بول سارتر .وتشير الماهية في سياق النص الحالي إلي إجمالي الرؤى، التصورات، الآمال ، الطموحات، الأحلام، الأهداف، والتوقعات، بل وصورة الذات التي يبتغى الإنسان تحقيقها في حياته باعتبارها تعريفًا نفسيًا لذاته ، أما الوجود فيشير إلي الذات الفعلية للإنسان كما تعاش في اللحظة الراهنة وهي مقدار ما تحقق من مجمل ما أشير إليه. وبناء علي مدي الفجوة بين الماهية والوجود بالمعني السابق يمكن تقييم جودة الحياة الشخصية. وهنا قد نجد احتمالات متباينة هي:-

(1)     أن تتطابق الماهية الشخصية مع الوجود الشخصي (حالة السواء النفسي التام وهي حالة مثالية يتعذر في الواقع الوصول إليها، مثل أعلي نتمنى الوصول إليه).

(2)   التنافر أو التباين التام بين الماهية والوجود (حالة اللاسواء النفسي التام وهي حالة تقع علي الطرف المقابل تمامًا وهي أيضًا حالة يتعذر في الواقع بحمد الله الولوج فيها فهما كانت صور الشذوذ النفسي لدي الإنسان هناك دائمًا خط مفتوح للرجعة إنه الأمل).

(3)   حالة التطابق/التنافر النسبي بين الماهية والوجود الشخصي (وهي الحالة الواقعية فالحياة لا تعطيك في الواقع كل ما تريد ولا تحرمك في الواقع من بعض ما تريد ويبقي حد الرضا في هذه الحالة محك تبين الفروق الفردية في موضوعنا الرئيسي وهو جودة الحياة الشخصية).

وتجدر الإشارة قبل أن ننهي هذا التعليق إلي أن هناك من يذهب إلي أن الماهية هي صورة الذات بعد أن تتحقق ولمثل هؤلاء نقول أن من حكمة الخالق أن الإنسان مشروع مفتوح للتحقق علي الدوام ولا تكتمل ماهيته الفعلية إلا بموته هنا تكتب نهاية لهذا المشروع ويصبح من حقنا أن نسقط أوصافًا عليه ولحسن الحظ كرامة الإنسان في موته لكونها تعصمه من محاكمة البشر لتنقله إلي عدل وإحسان وفضل العتاب الإلهي. إذن مصانة هي كرامة الإنسان في حياته باعتبار استحالة إسقاط أحكام عليه نتيجة كونه مشروع لم تكتمل تفاصيله بعد ومصانة هي كرامته أيضًا بموته لأنه يصبح في عصمة الله وليس من حق أي آخر أن يسقط عليه أحكامًا سلبية بطبيعة الحال. 

[26]  مرض الزهايمر حالة من تفكك في الشخصية قد تصيب بعض الأفراد المسنين (عادة ما يكونون فوق سن الستين) تتصف بفقدان الذاكرة والاكتئاب، وقد يحدث انفجار عاطفي عنيف في الشخصية. ومعظم العلاجات الآن تتركز في تخفيف التوتر عن المسن وأيضًا عن أعضاء أسرته.  (عادل عز الدين الأشول، 1987، موسوعة التربية الخاصة، الانجلو المصرية، ص، 63) للمزيد عن العلاقة بين التقدم في العمر والذاكرة يمكن الرجوع إلي (محمد قاسم عبد الله (2003). سيكولوجية الذاكرة: قضايا واتجاهات حديثة. عالم الفكر، العدد 290، فبراير 2003 ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب-الكويت.)

[27]  للمزيد عن هذا الأسلوب الممتع والمفيد في التقييم النفسي يرجى الرجوع إلي كتب القياس النفسي المتخصصة.



  أضف تعليق
الاسم الدولة
التعليق

  تعليقات من الزائرين

1) hussam
ارجو منكم طلب مقياس الجوده النفسية لبحثي مع الشكر والحترام

2) hussam
ارجو منكم طلب مقياس الجوده النفسية لبحثي مع الشكر والحترام

3) مازن الشرافى
هذا أجمل ما قرأت حول موضوع جودة الحياة . كل الشكر والتقدير والاحترام على هذا الجهد الطيب. أرجو منكم طلب مقياس الجودة النفسية لبحثي مع الشكر والاحترام mazenn1@hotmail.com

4) عثمان الطيب
موضوع ممتاز شكر الله لكم

5) هبة محمود
دراسة رائعة وقد استفدت منها كثيرا وبارك الله في د / محمد السعيد ابو حلاوة وكل عام وانتم بخير بمناسبة رمضان

 مختارات ذات علاقة
الغناء والموسيقى: نظرات ومراجعات
كيف تنجز أكثر في وقت أقل؟
كيف تكون قيادياً وتُحرك الناس؟
أسرار النجاح السبعة
 دخول وكلاء
اسم المستخدم

كلمة السر

 

 

All Rights Reserved University of Victor FL - Middle East and the Arab world - 2010
جميع الحقوق محفوظة لجامعة فكتور فل - الشرق الاوسط والوطن العربي - 2010